محمد بن عمر التونسي
333
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وله في خط الرمل باع طويل ، ومن هذا القبيل ما حدّثنى به عمّى السيد أحمد زرّوق ، أن والدي - عليه سحائب الرحمة والرضوان - لما كان صحبة المرحوم السلطان محمد صابون في محاربة جبل تامه ، ضاع له جمل بازل « 1 » ، وأرسل العبيد والخدم ليفتّشوا ( 310 ) عليه « 2 » ، فذهبوا وغابوا طويلا ، ثم رجعوا بالخيبة ، فيئس المرحوم والدي منه . وكان ممن صحبه رجل يعرف خطّ الرمل ، فقال له بعض الحاضرين : إنك رجل رمّال ، فإن كنت عارفا ، بيّن لنا الجمل يأتي أم لا ؟ فضرب الخطّ وقال : إن الجمل هاهنا غير بعيد ، فقوموا وانظروه في إبل جيراننا . فذهبت العبيد إلى إبل الجيران ، فوجدوا الجمل باركا في وسطها ، وعرفوه ، وجاءوا به إلى محلّه . وهذه غاية الإتقان في علم الرمل . ومن هذا القبيل أيضا ، ما حكى لي بعض الأشراف في دار واداى ، أن جماعة من العلماء كانوا مجتمعين في محلّ ، وفيهم من يعرف علم الرمل معرفة خبير ، وفيهم من يدّعيه . فتذاكروا في علم الرمل ، والذي يدّعيه يقول : أنا ضربت الرمل لفلان الملك ، ولفلان القائد ، وأخبرتهما بكذا وكذا . فطلب منه أحد الحاضرين أن يضرب له ، فضرب ، وقال كلاما لا يغنى شيئا . فالتفت العارف إلى الخطّ المضروب وتأمّله ثم قال : إني مبشرك أنك في غد تقبض من السلطان ستين رأس رقيق . وكان الأمر كما قال . وإذ انجرّ الكلام إلى علم الرمل ، فلنذكر منه نبذة يقف بها المتأمل على ماهيّته وأشكاله وأسمائه ، والأشكال السعيدة والنّحسة والمتوسطة فنقول :
--> ( 1 ) الجمل البازل هو الجمل في تاسع سنيه ، وليس بعده سن تسمى . ( القاموس ) . ( 2 ) كذا .